كيف أعادت كرة القدم تشكيل الوعي الجماعي في المغرب؟
بقلم: د. طلال عثمان
المدير العام – The GCC Sport
لم تكن كرة القدم في المغرب يومًا مجرد لعبة تُمارَس داخل المستطيل الأخضر، بل تحوّلت عبر الزمن إلى فضاء رمزي أعاد تشكيل الوعي الجماعي، وأداة عبّرت من خلالها فئات واسعة من المجتمع عن أسئلتها حول الهوية، والانتماء، والكرامة.
دخلت كرة القدم المغرب في سياق استعماري، لكنها سرعان ما تحررت من أصلها، وأعاد المجتمع امتلاكها وتطويعها. في الملاعب، لم يكن الفوز مجرد نتيجة رياضية، بل تعبيرًا عن القدرة على الفعل، والهزيمة لم تكن نهاية، بل لحظة مراجعة جماعية. هكذا، أصبحت اللعبة وسيلة غير مباشرة لقول ما لا يُقال في فضاءات أخرى.
الأندية المغربية لعبت دورًا محوريًا في هذا التحول. فالرجاء والوداد وغيرهما لم يكونوا مجرد مؤسسات رياضية، بل هويات اجتماعية وثقافية. الانتماء إلى نادٍ كان في كثير من الأحيان امتدادًا للانتماء إلى مدينة، أو ذاكرة، أو رؤية للعالم. المدرجات تحولت إلى فضاء عام بديل، تُصاغ فيه اللغة الجماعية، وتُختبر فيه حدود التعبير.
في هذا السياق، برزت ثقافة الألتراس كفاعل أساسي في تشكيل الوعي الجديد. الأغاني والهتافات لم تكن عفوية أو بريئة، بل حملت رسائل اجتماعية وسياسية، صاغها الشباب بلغة رمزية، وجعلوا من المدرج منصة للنقد والسؤال. لقد أصبحت المدرجات مدرسة غير رسمية للتعبير الجماعي، ولإنتاج خطاب موازٍ خارج الأطر التقليدية.
أما المنتخب الوطني، فقد مثّل دائمًا لحظة نادرة للوحدة. غير أن ما تحقق في كأس العالم 2022 تجاوز حدود الإنجاز الرياضي. كان تحولًا نفسيًا عميقًا، أعاد تعريف صورة المغربي عن نفسه: من موقع المتفرج إلى موقع المنافس، ومن عقدة النقص إلى الثقة بالذات. ذلك الإنجاز لم يُوحِّد الجماهير فقط، بل أعاد صياغة العلاقة بين المواطن والراية التي يحملها.
كرة القدم، في هذا المعنى، لعبت دور رافعة للكرامة الجماعية. رفع العلم، عزف النشيد، والاحترام الذي ناله المنتخب عالميًا… كلها عناصر أسهمت في إعادة بناء الوعي الجمعي، ومنحت المجتمع لحظات نادرة يشعر فيها بأنه في قلب المشهد لا على هامشه.
اليوم، لم يعد الجمهور المغربي متلقيًا سلبيًا. أصبح ناقدًا، محللًا، ومشاركًا في النقاش العام حول الاحتراف، الحكامة، والعدالة داخل الرياضة وخارجها. وهنا يتجلى التحول الأهم: كرة القدم لم تغيّر فقط طريقة التشجيع، بل وسّعت دائرة الوعي والسؤال.
في الختام، يمكن القول إن كرة القدم في المغرب لم تصنع الوعي الجماعي وحدها، لكنها كانت أحد أكثر أدواته تأثيرًا. لقد منحت المجتمع لغة مشتركة، ومساحة للتعبير، ولحظات نادرة للإجماع. وفي زمن تتراجع فيه مساحات الحوار، أثبتت كرة القدم أنها أكثر من لعبة… إنها خطاب اجتماعي متكامل.